السيد الطباطبائي

304

تفسير الميزان

فقوله : " إن علينا للهدى " يفيد أن هدى الناس مما قضى سبحانه به وأوجبه على نفسه بمقتضى الحكمة وذلك أنه خلقهم ليعبدوه كما قال : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الذاريات : 56 فجعل عبادته غاية لخلقهم وجعلها صراطا مستقيما إليه كما قال : " إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " آل عمران : " 51 ، وقال : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله " الشورى : 53 وقضى على نفسه أن يبين لهم سبيله ويهديهم إليه بمعنى إراءة الطريق سواء سلكوها أم تركوها كما قال : " وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر " النحل : 9 ، وقال : " والله يقول الحق وهو يهدي السبيل " الأحزاب : 4 وقال : إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " الانسان : 3 ولا ينافي ذلك قيام غيره تعالى بأمر هذا المعنى من الهدى بإذنه كالأنبياء كما قال تعالى : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " الشورى : 52 ، وقال : " قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " يوسف : 108 . وقد تقدم لهذه المسألة بيان عقلي في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب . هذا في الهداية بمعنى إراءة الطريق وأما الهداية بمعنى الايصال إلى المطلوب - والمطلوب في المقام الآثار الحسنة التي تترتب على الاهتداء بهدى الله والتلبس بالعبودية كالحياة الطيبة المعجلة في الدنيا والحياة السعيدة الأبدية في الآخرة - فمن البين أنه من قبيل الصنع والايجاد الذي يختص به تعالى فهو مما قضى به الله وأوجبه على نفسه وسجله بوعده الحق قال تعالى : " فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى " طه : 123 ، وقال : " ومن عمل صالحا من " ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " النحل : 97 ، وقال : " والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا من أصدق من الله قيلا " النساء : 122 . ولا ينافي انتساب هذا المعنى من الهداية إليه تعالى بنحو الأصالة انتسابه إلى غيره تعالى بنحو التبع بتخلل الأسباب بينه تعالى وبين ما ينسب إليه من الأثر بإذنه . ومعنى الآية - إن كان المراد بالهدى إراءة الطريق - أنا إنما نبين لكم ما نبين لأنه من إراءة طريق العبودية وإراءة الطريق علينا ، وإن كان المراد به الايصال إلى المطلوب أنا إنما نيسر هؤلاء لليسرى من الأعمال الصالحة أو من الحياة السهلة الأبدية ودخول الجنة لأنه من إيصال الأشياء إلى غاياتها وعلينا ذلك . وأما التيسير للعسرى فهو مما يتوقف عليه التيسير لليسرى " ليميز الله الخبيث من